|
وسام سعادة بعد مقولته في "رجل الدّين الفاسد" يطلع علينا زعيم "التيار النسطوريّ الحرّ" ببدعة "الطالب الفاسد" ويفسّر هزيمة أنصاره في الإنتخابات الطالبية في جامعات المناطق المسيحيّة على أنّها من تداعيات تغلغل "المال الإنتخابي"، مشهراً منذ الآن تلك الحجّة المتهافتة التي يمكنه أن يعود إليها بعيد الإنتخابات النيابية، داعياً يومها للإنقلاب على النتائج. النساطرة الجدد ويعاسيب اليسار رجل الدّين الفاسد في عرف الجنرال عون هو حامي الكنيسة الواقف حجر عثرة دون استتباعها سواء للنظام "البعثي" الذي يريد أن تدفع الأقليات المسيحية كما الأكثرية المسلمة السنّية ثمن علمانيته المزعومة، والرافض بشكل قاطع لأي "تعديل وراثي" يقحم على جسم هذه الكنيسة فينقلها من تراث مارونيّ راسخ في عراقته الأنطاكيّة وعضويّ الإنتساب إلى كونيّة الكنيسة الغربيّة إلى تراث "نسطوريّ" يدعو إلى كسرى بحجّة الخروج على قيصر. والمضحك المبكي في هذا المجال هو أن يعاسيب يصنّفون نفسهم كعلمانيين ويساريين على هامش التحالف الموالي لسوريا وايران في لبنان قد طربوا وفرحوا لما سمعوا عون يهاجم "رجل الدّين الفاسد". هؤلاء اليعاسيب كانت لهم انتقادات ضمنية أو علنية للجنرال عون في الأشهر الأخيرة لأنه "انجرّ" كما يقولون إلى "الطائفية". هذا لم يمنعهم طبعاً من التأكيد الدائم لزعمه التمثيلي لأكبر شريحة من المسيحيين. لا عجب بعد ذلك أن يكونوا قد سرّوا بالحملة التي جرّدها عون ضد من أسماه "رجل الدّين الفاسد" وربّما اعتبروها عودة ميمونة إلى مواقع التنوير والعلمانية. كل ذلك فيما يتعامى هؤلاء اليعاسيب عن صلة التبعية التي تربط عون وتربطهم بالنظام الثيوقراطيّ الوحيد في الشرق الأوسط، بل الوحيد في العالم على هذا النحو. نظرية الطالب الفاسد أما نظرية عون في "الطالب الفاسد" والتي هزء من خلالها بالإنتخابات الطالبية فلم يسبقه إليها أولئك الذين قهروا الجامعات بشبكاتهم الأمنية طيلة العهد السوريّ. زد على أنّ الجنرال يحرّض على الحرّيات الأكاديمية بشكل عام، وعلى الإدارات في الجامعات، ويغيب عن باله دائماً أن العونيين والقواتيين وغيرهم يتزاملون في مقاعد الدراسة وينبغي للسياسيين حتى عندما يستصرحون حول قضايا الشبيبة الجامعية ونشاطاتها وانتخاباتها أن يتحلوا ببعض "التأنّي التربويّ" في المخاطبة والتوجيه، إلا إذا أراد العماد ميشال عون الإلتحاق بنفسه بإحدى الجامعات في العام القادم لخوض المعارك داخلها. ويمكنه التفكير في ذلك ملياً تبعاً للنتائج التي سيحرزها في الإنتخابات التشريعية. .. و"المصرفيّ الإرهابيّ" توازياً، يتحفنا عون بإفتراءاته ليس فقط ضد "بنك البحر الأبيض المتوسّط" وإنما ضد سلامة القطاع المصرفي اللبناني جملة. هنا أيضاً سيستحسن يعاسيب اليسار ذلك ويعتبرونه مقدّمة لحمل "النساطرة الجدد" بقيادة عون للواء القضية الإجتماعية، أو حتى الإشتراكية. منذ سنوات لا يكلّ هؤلاء اليعاسيب ولا يملّون وهم ينتظرون أن يتبنّى هذا الفريق أو ذاك قضيتهم الإجتماعية التي لم تنجب إلا الفقر والتعاسة لملايين البشر، ناهيك عن المآسي التي تسبب بها حملهم للقضايا القوميّة، أو أسوأ من ذلك محاولاتهم للجمع بين القضايا القومية وتلك الإجتماعية. مثل هؤلاء اليعاسيب يظنّون أنّهم يكتشفون البارود حين يعيّرون جيلاً بأكمله، أو جيلين، بل ثلاثة، بالردّة، فيقولون عن فلان بأنّه "يساري سابق" أو "انتهازيّ". وربّما وجب طمأنة اليعاسيب في هذا المجال على أنه لا مفخرة في أن يكون المرء يسارياً في بلد مثل كلبنان، وأنّ مشروع 14 آذار وإن كان يسارياً في بعض التقاليد المؤثّرة فيه فإنّه يبقى مشروع إنتاج يمين لبناني إستقلاليّ دستوريّ متنوع طائفياً ومشارك في أسرة الإعتدال العربي، وما يحاربه اليمين الديموقراطيّ هو تحديداً ذاك التلاقح المرضيّ بين موروثات يسارية وموروثات فاشية، التلاقح الذي نكبت به ثقافتنا وسياستنا منذ فجر الثورة الإيرانية، والذي لا يمكن مقاومته بالليبرالية الثقافية فقط، وإنما بإستكمال شروط التحوّل اليمينيّ على نحو جذريّ: الحاجة إلى اليمين الدستوري الإستقلالي سياسياً، والمحافظ اجتماعياً (ابتداء من العائلة) والليبرالي اقتصادياً والانتقائي النقديّ ثقافياً. هو ضرورة لمقارعة الخلطة الفاشية اليسارية التي تسوّق لنفسها مرة بإسم "الدفاع عن الحركات الظلامية" حين تجد في ذلك مأزقاً للإمبريالية، ومرة بإسم "الدفاع عن المثليين" أو "مناهضة العولمة" حين تجد في ذلك موضة تؤكّد من خلالها على "تقدميتها". أما النابغة فأبله من كاليفورنيا قبل الحملة ضد "رجل الدين الفاسد" و"الطالب الفاسد" و"المصرفيّ الإرهابي" كان العماد عون قد تعرّض للإعلام المكتوب في لبنان، واشياً ببعض، ومشنّعاً على البعض الآخر بتهمة "الدعارة الإعلاميّة". هذه الوشاية وذاك التشنيع يتطلّبان في أقل تقدير أن يكون الجنرال متابعاً لما يكتب ولا يعجبه. لكن هلا يتابع ما يكتب في النشرات التي تتماهى معه؟ كيف يسمح وهو زعيم مسيحيي لبنان وفقاً لأنصاره، وزعيم مسيحيي الشرق وفقاً لأحمدي نجاد، أن يجري التهجم وبخساسة بالغة على قدس أقداس الشرق، القديس يوحنا فم الذهب الأنطاكي إذ لم يتردّد نابغة في البلاهة من كاليفورنيا قتلنا بمبادئه البائسة التي لا تسوى فلساً فأخذ يفسّق ويخوّن ذات اليمين وذات اليسار متورّطاً في التعريض بالقديس يوحنّا فم الذهب ووصفه بأنّه "فم التنك". هل صحيح أن "يوحنا فم الذهب" هو "يوحنا فمّ التنك" يا جنرال المشرق المسيحي كما يقول الإعلام الموالي لك؟ هل صحيح أن الباقين على نهج يوحنا فم الذهب في كنيستنا هم فاسدون يا جنرال؟ هل صحيح أن ثمّة طائفة فاسدة وإرهابية ينبغي إستئصالها من هذا البلد يا جنرال لأن خطيئتها الأصلية أن أبناءها يعيشون في المدن ويواجهون أحقاد أرياف الأرياف؟
|