السبت 11 أيلول 2010

ص13ص12

قصة ألف حمراء وحمراء


رصف الكراسي والحروف


مهرجان على قدم الدجاجة وساقها


"الحمرا عالترويقة.. الحمرا كل دقيقة"



قصة ألف حمراء وحمراء

المستقبل - الخميس 9 أيلول 2010 - العدد 3766 - شباب - صفحة 12


سارة الشل

هي رائحة الزمن. رائحة الوقت. تعشش داخل ثنيات القصة وحكايات أبطالها وشخصياتها الثانوية والرئيسية. إنها الأشياء، الجدران، الإسمنت.. والبحر والهواء والسماء. هي رائحة المكان. وفيه لكل شيء ذاكرة.
تلك هي رائحة الورق العتيق الممزوجة بالرطوبة، لتشكل ربما عطراً زمنياً يعيدك إلى الوراء، إلى الماضي، دون أن يكون ذلك مقصوداً. بالأبيض والأسود هي الصورة. مكان آخر، وزمان مختلف. تحاول أن تتخيل الأمر. هو بالغ الصعوبة. هكذا كانت الحمرا، وهذا هو السبب وراء التسمية. معلومات ترصد تطور شارع لا شبيه له. منفرد هو بنفسه. له خاصية من نوع مختلف، لا يمكن العبور إليها.
ربما هذا أفضل.. وهذا ما يميزه.
تاريخياً، يعود اسم الحمراء إلى بني الحمرا البقاعيين الذين كانوا يترددون إلى المكان مطلع القرن الخامس عشر ميلادي لبيع محصولهم الزراعي. ومع مجيئهم تنازعوا مع بني تلحوق، وسكنوا المنطقة، ليتحول اسمها من جرن الدب إلى كرم الحمرا. وكان سكان مزرعة الحمرا يهتمون بزراعة الأشجار على أنواعها، لا سيما شجرة المقساس، التي يستخرج الصمغ من ثمارها، ليصنعوا الدبق ويلتقطوا به العصافير.. وبعدها يأتي الرزق العثماني عليهم بليرتين ذهبيتين لليوم الواحد.
تسميات كثيرة تنقلت بين زواريب شارع الحمرا. ففي الأصل لم تكن جميع هذه النوافذ مفتوحة. والحمرا بجزء كبير منها كانت مجرد "خندق صغير لا يتسع لشخص واحد"، لتتوسع بعدها بفعل الكثافة السكانية والحركة التجارية، وتفرد جناحاتها لشوارع جديدة بمحاذاتها. فشارع بلس والمكحول وجان دارك كانت زقاق طنطاس. أرض منبسطة برمال حمراء، كانت تشكل كرم الحمرا. حياة زراعية بسيطة، وتجارية خجولة، كانت تعيشها المنطقة مع الحرب العالمية الأولى، لتشهد بعد ذلك أول بناء عصري للبروفيسور سيلي في العام 1923.. حيث مقهى الكوستا اليوم.
ولقصص الحمرا أفعال ماضية كثيرة ترويها. هو يختار أبسطها وأقربها إلى الحكايات، لأن هذا الشارع بالنسبة له أشبه بحكايات ألف ليلة وليلة. "كان": لن تكون فعل ماضٍ ناقص في هذه الحال. فأنت عند أبو عدنان، والرواية ستسمعها على أصولها. كان تروي القصة كلها. تعبر إلى أكثر من ثمانين سنة خلت. لن تكون ناقصة إذاً. وقبل أن ندخل بالتفاصيل لا بد من تعليق باللهجة البيروتية "أباً عن جد": "هدوليك ما بيعرفوا شارع الحمرا، أنا يلي حافظو شبر شبر".
وتنطلق باكورة الأحداث والذكريات..
بمحاذاة مسجد الحمرا كان يسكن. هو من مواليد رأس بيروت عام 1925. هو حسن الداعوق، أو مختار المخاتير، كما يطلق عليه كلّ من حوله، وجميع المخاتير الذين تسألهم عن الشارع. "ما فينا نحكي عن الحمرا بوجود أبو عدنان، مختارنا كلنا"، يقول عبد الباسط عيتاني، مختار في منطقة رأس بيروت.
صورة يصعب تصديقها عن الشارع، يرويها الداعوق، عن الحياة هناك. بساتين ومحادل، وأشجار مثمرة وترومواي. هذه بعض من ملامح الحمرا الثلاثينية. من شارع السادات، نقطة بدء الحمرا إلى مباني الحكومة، لتأتي تلة من الرمل تعلن نهاية الشارع. في القلب توزعت العائلات البيروتية العريقة من آل العيتاني والداعوق إلى أرناؤوط وشهاب وغيرهم..
يتحدث عن كل شخص منهم. يذكر الأسماء والمنازل وعمل كل واحد. "كنا قلال وكلو بيعرف كلو". بعض الصخور والهضبات تتوزع هنا وهناك. ومنازل صغيرة وبساتين واسعة. كوسى، بندورة، بقدونس... وخضار تعج بها محلة الحمرا، كما كان يطلق عليها. طبيعية هي كانت إلى أبعد حدود، ككامل تفاصيل الحياة في تلك الفترة.
يحمل حسن زوادته وحقيبته ليذهب إلى المدرسة. يلقي عليه الجندي الفرنسي التحية، فيجيب بكل لباقة ولغة متقنة. يتذكر تلك الحقبة، حين كانت وزارة الخارجية مركونة بجانب محادل البلدية. "كانت الطرقات تحدل مرة او اثنتين في اليوم". لم تكن تلك الزواريب تعرف طعم الاسمنت. كانت تتنفس الطبيعة، تتماشى وحركة الدواب، تتأقلم وعيشة الزراعة. يتحدث عن الفرحة التي غمرت أهالي المنطقة مع التحول من القنديل نحو الكهرباء. و"الكل صاروا يقولوا بيت الداعوق عندن كهربا".
تفاصيل يومية عاشتها المنطقة كما الآن، مع اختلاف بالزمن. بدايات التحول المدني، إذا صح القول، يمررها أبو عدنان من الزراعة إلى العمارة والكهرباء والصرف الصحي مروراً بملاّك أراضي الحمرا، من عائلات اللبان والداعوق وعيتاني، ومن جد الجد إلى الورثة، لتبدأ التصفيات وتلتهم أسعار بساتين الرمل الأحمر، وتحلّ مكانها العمارات والمشاريع.
تغيير لا يحزن أبو عدنان كثيراً. هو متأقلم تماماً مع فكرة "الحياة كلها عم تتغير، فكيف الشوارع". ويبقى للذكرى وحدها أن تحيي علاقة غرام الحاج بشارعه، وتردده اليوم على المنطقة يعيد إليه صداقات قديمة مرّ عليها الزمن ولم تمحها الأيام. "تحيات من كل صوب تأتيني وأنا أمرّ هناك"، يصمت قليلاً ثم يضيف: "هكذا أحب شارعي".
لا ينتهي الحديث مع أبو عدنان. روايات أخرى تدخل على خط الذاكرة، من ترمواي "القرشين ونص" الذي يصل المنارة بساحة البرج إلى السينما. ومن المظاهرات الشعبية إلى صحن الفول مع خضرة عند مطعم مروش.
قصة أبوعدنان مع الشارع واحدة من الماضي. وللحمرا كذلك حكايات كثيرة عن حاضرها ومستقبلها أيضاً، وعن يوميات الناس فيها، كما يرويها شباب أحبوا الشارع وعاشوه.. كلّ على طريقته.

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال



 



 

 
الصفحة الأولى | شؤون لبنانية | مخافر و محاكم | شباب | المستقبل الإقتصادي | شؤون عربية و دولية | رأي و فكر | ثقافة و فنون | رياضة | الصفحة الأخيرة
ملحق المصارف ... | رياضة | بزنس | شباب | أهْوَاء | ارشيف و بحث | نوافذ | PDF A4 Version | PDF Full Version
 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005